التاريخ : الأحد 26-06-2022

وزارة المالية تثمن عودة الدعم الأوروبي لفلسطين وتوضح تفاصيل الدفعات    |     "الخارجية": عدم إدانة المسؤولين الإسرائيليين لجريمة إعدام الشهيد حرب انحطاط أخلاقي وتورط بالجريمة    |     عشرات المستوطنين يقتحمون الأقصى    |     "لجنة الإفراج المبكر" تقرر تصنيف ملف الأسير أحمد مناصرة ضمن "عمل إرهابي"    |     الاحتلال يهدم منزلا قيد الإنشاء في نعلين    |     تيم: خطتنا المقبلة تقوم على بذل جهد في الرقابة على جباية الإيرادات والضرائب    |     المعتقل خليل عواودة يعلق إضرابه عن الطعام بعد تعهدات بإنهاء اعتقاله    |     ديوان الموظفين يكرم المشاركين في الورشة الدولية للخدمة العامة    |     الخارجية: تصعيد إسرائيلي بحق الوجود الفلسطيني استباقا للانتخابات القادمة    |     ملحم: تمديد تزويد محطة غزة بالطاقة لـ5 سنوات وقريبا التحول للغاز الطبيعي    |     الاحتلال يعتقل 21 مواطنا من الضفة    |     أربعة أسرى يواصلون إضرابهم المفتوح عن الطعام    |     قوات الاحتلال تعتقل 5 مواطنين وتستدعي آخر للتحقيق من تقوع ببيت لحم    |     الاحتلال يصيب شابين ويعتقل 3 آخرين من جنين    |     إصابة مسن بجروح ورضوض إثر اعتداء المستوطنين عليه شرق الخليل    |     فتح تنعى شهداء جنين الثلاثة وتؤكد أن هذه الدماء لا تزيدنا إلا إصرارا على الخلاص من الاحتلال    |     الرئاسة تدين جريمة الاحتلال اغتيال ثلاثة مواطنين في جنين    |     لبنان: جولة تفقُّدية للسفير دبّور وأبو هولي لمستشفى الهمشري في صيدا    |     إصابات بالمطاط والغاز خلال مواجهات في بورين    |     الخارجيــة: جريمة إعدام الشهداء الثلاثة الرد الإسرائيلي على المطالبات الأميركية وقف التصعيد قبل زيار    |     3 شهداء و10 إصابات برصاص الاحتلال في جنين    |     الخارجية: بينت يستغل زيارة بايدن لتنفيذ المزيد من المشاريع الاستيطانية التهويدية للقدس ومقدساتها    |     منتخبنا الوطني يبلغ أمم آسيا للمرة الثالثة    |     عشرات المستوطنين يقتحمون "الأقصى"
الصحافة الفلسطينية » محجوب عمر وذاكرة التراجيديا !!!

 محجوب عمر وذاكرة التراجيديا !!!

جريدة الحياة الجديدة

 

بقلم يحي رباح 19-3-2012

وهكذا اختار محجوب عمر «الدكتور رؤوف نظمي» بكل إصرار وتعمد, ومن خلال وعي عميق, وإحساس مرهف بالتاريخ, اختار أين يكون, وأين يقف, وأين يجعل رسالته, ولمن يعطي شهادته, فاختار فلسطين, وشعبها, وثورتها التي هي واحدة من المعجزات المستحيلات, وعدالة قضيتها, وتراجيديا معاناتها الانسانية.

محجوب عمر, الطبيب المصري القبطي, الذي كان عضوا بارزا في الحزب الشيوعي المصري, والذي كان مثيرا للجدل خلال نشاطه السياسي, وخلال وجوده في السجون المصرية, وخلال عمله في مستشفى دمياط الأميري, وفي مقالاته ودراساته في الصحف والمجلات والدوريات الثقافية المصرية !!! غادر كل ذلك, وذهب مع قافلة مدهشة, أطلق عليها قائدها ياسر عرفات اسم «ثورة بساط الريح» وأطلق عليها اعداؤها الكبار اسم «ثورة المستحيل» ثم اتخذت بعد ذلك أسماءها الحسنى, ثورة أطفال الحجارة وأطفال الآربي جيه وثورة الحلم الفادح, ثورة دع ألف زهرة تتفتح, وهي ثورة الفتح, الثورة الفلسطينية المعاصرة.

ومثلما اختار «فرانز فانون» من جزر المارتينيك, الفرنسي الجنسية, أن يكون شاهد الثورة الجزائرية, وأحد رواة حكايتها, فكذلك الدكتور رؤوف نظمي «محجوب عمر» اختار أن يكون مع الثورة الفلسطينية, من داخلها, من قلب معاناتها, وفي ذروة تجلياتها, في اشتباكاتها الدامية مع الأعداء والأشقاء, في انكساراتها الموجعة, وفي زهوها المتلألئ, فكان وفيا لما أراد إلى حد الاندماج النهائي, وإلى درجة أنه هو نفسه أصبح جزءا من ذاكرة التراجيديا الفلسطينية, وجزءا من ذاكرة الشعب الفلسطيني نفسه.

بدأ محجوب عمر ابحاره الأول في هذا البحر الفلسطيني بالذهاب مع فتح إلى الجزائر, ومنها انتقل إلى قواعدنا في جنوب الأردن, حيث تعرف هناك على نمط الحياة البدوية لقبائل وعشائر الجنوب الأردني, وكانوا هم البيئة الحاضنة لفتح وثورتها الفلسطينية المعاصرة, فانبهر بذلك النمط من الحياة, وأصبح من أعظم أصدقاء ذلك المجتمع !!!

ثم سجل بقلمه الساحر تجربته في مستشفى الأشرفية في عمان إلى ان تمكن الأعداء من صنع مأساة أحداث أيلول حين رحلت ثورة بساط الريح إلى لبنان, وهناك استمر محجوب عمر في التمثيل الحقيقي لحياة الفدائي, فعاش أيضا في القواعد, وارتبط بصداقة نادرة مع أحد قادة الوحدات العسكرية المميزة من قوات العاصفة وهي كتيبة نسور العرقوب التي كان يقودها نعيم “ أبو محمود “ الذي اشتهر بعذوبته وتلقائيته التي كانت تستقطب كل من يتعرف عليه عن قرب, وشارك في تجربة التفويض السياسي التي قادها قرص العسل الفلسطيني ماجد أبو شرار, ثم استقر به المقام في مركز التخطيط الفلسطيني, وهو مركز اشتهر بأنه ليس على شاكلة تلك المراكز التي تختبئ بين رفوف الكتب, بل كان حاضرا في صلب حركية الأشياء, في الصراع اليومي في قواعد المقاتلين, وفي صخب اللقاءات في اجتماعات الاطارات الفلسطينية, وكان محجوب عمر حاضرا بقوة في ذلك الصخب المثار حول تجربة الثورة الفلسطينية, وموقعها في النضال التحرري العالمي, وإيصال صورتها إلى الآخريين الذين ربما تصل الصورة إليهم مشوشة, أو مشوهة, أو ناقصة, أو مضطربة !!! ذلك ان محجوب عمر كان له صداقات في الأحزاب اليسارية الدولية, وكان له صلات مع الباحثين في العالم بالإضافة إلى أنه في الأصل مواطن مصري وعربي ويعرف كيف يتحدث عما يؤمن به, وعما هو منخرط فيه, وعما يعشقه إلى حد الاندماج الكامل !!! وطوال عقود من انخراطه في فتح والثورة الفلسطينية المعاصرة, فإن أحدا لم يفاجأ قط, عندما يرى محجوب عمر في أي مكان أو في أي اجتماع أو في أي حوار, كنا نعتبره أحد المسلمات, ونراه ضروريا, نثق بعقله ونثق بإخلاصه في آن واحد, نعرف أنه مصري حتى النخاع ونثق بفلسطينيته حتى اليقين.

محجوب عمر لعب داخل حركة فتح والثورة الفلسطينية المعاصرة أدوارا عديدة وكبيرة, فقد كان الطبيب والمقاتل, والكاتب والمفكر والمخطط الاستراتيجي, وكان المفوض السياسي, والسفير غير المقيم لدى أصقاع الدنيا التي كان يسافر إليها على جناح فتح, وكان يشارك في صياغة تقدير الموقف, وكان صلة وصل وضابط ارتباط لحركة فتح مع جهات كثيرة, من بينها على سبيل المثال أنه كان همزة الوصل بين الرئيس عرفات رحمه الله والشهيد فتحي الشقاقي, الذي كان بدوره طيرا من الطيور الفلسطينية النادرة, الذي كان يرفض أن يقطع صلاته مع أحد, وأنه أولا وقبل كل شيء مجاهد مناضل فلسطيني قبل أي وصف آخر.

ترك لنا محجوب عمر, الدكتور رؤوف نظمي, ميراثا كبيرا من السيرة الذاتية المتألقة, ومن الكتب والدراسات والأبحاث, وبما انه أصبح جزءا عضويا من ذاكرة التراجيديا الفلسطينية, فمن البديهي ان يكون هذا الميراث جزءا من المكتبة الفلسطينية, ولقد قرأت مقالة الداعية والمفكر الإسلامي جمال البنا التي يؤكد فيها أن دار الفكر الإسلامي ستطبع له كل مؤلفاته, فإذا كانت دار الفكر الإسلامي ستقوم بهذا العمل تخليدا لذكرى مناضل يساري مسيحي, فما أدراكم بواجبنا نحن الذين اختارنا محجوب عمر عن سابق إصرار وتعمد أن يكون حتى أعمق الأعماق فلسطينيا.

يرحمك الله يا دكتور محجوب

ولروحك السلام...

2012-03-19
اطبع ارسل