التاريخ : الإثنين 27-06-2022

وزارة المالية تثمن عودة الدعم الأوروبي لفلسطين وتوضح تفاصيل الدفعات    |     "الخارجية": عدم إدانة المسؤولين الإسرائيليين لجريمة إعدام الشهيد حرب انحطاط أخلاقي وتورط بالجريمة    |     عشرات المستوطنين يقتحمون الأقصى    |     "لجنة الإفراج المبكر" تقرر تصنيف ملف الأسير أحمد مناصرة ضمن "عمل إرهابي"    |     الاحتلال يهدم منزلا قيد الإنشاء في نعلين    |     تيم: خطتنا المقبلة تقوم على بذل جهد في الرقابة على جباية الإيرادات والضرائب    |     المعتقل خليل عواودة يعلق إضرابه عن الطعام بعد تعهدات بإنهاء اعتقاله    |     ديوان الموظفين يكرم المشاركين في الورشة الدولية للخدمة العامة    |     الخارجية: تصعيد إسرائيلي بحق الوجود الفلسطيني استباقا للانتخابات القادمة    |     ملحم: تمديد تزويد محطة غزة بالطاقة لـ5 سنوات وقريبا التحول للغاز الطبيعي    |     الاحتلال يعتقل 21 مواطنا من الضفة    |     أربعة أسرى يواصلون إضرابهم المفتوح عن الطعام    |     قوات الاحتلال تعتقل 5 مواطنين وتستدعي آخر للتحقيق من تقوع ببيت لحم    |     الاحتلال يصيب شابين ويعتقل 3 آخرين من جنين    |     إصابة مسن بجروح ورضوض إثر اعتداء المستوطنين عليه شرق الخليل    |     فتح تنعى شهداء جنين الثلاثة وتؤكد أن هذه الدماء لا تزيدنا إلا إصرارا على الخلاص من الاحتلال    |     الرئاسة تدين جريمة الاحتلال اغتيال ثلاثة مواطنين في جنين    |     لبنان: جولة تفقُّدية للسفير دبّور وأبو هولي لمستشفى الهمشري في صيدا    |     إصابات بالمطاط والغاز خلال مواجهات في بورين    |     الخارجيــة: جريمة إعدام الشهداء الثلاثة الرد الإسرائيلي على المطالبات الأميركية وقف التصعيد قبل زيار    |     3 شهداء و10 إصابات برصاص الاحتلال في جنين    |     الخارجية: بينت يستغل زيارة بايدن لتنفيذ المزيد من المشاريع الاستيطانية التهويدية للقدس ومقدساتها    |     منتخبنا الوطني يبلغ أمم آسيا للمرة الثالثة    |     عشرات المستوطنين يقتحمون "الأقصى"
الاخبار » زكريا .. أخوك داوود استشهد
زكريا .. أخوك داوود استشهد

زكريا .. أخوك داوود استشهد

 

رام الله 23-5-2022 وفا- يامن نوباني

اليوم، الخامس عشر من أيار عام 2022، الساعة العاشرة صباحا، زكريا الزبيدي لا يعرف ما يدور على الأرض، فلا هاتف ولا راديو ولا جريدة ولا أناس، يعيش في عزلة تامة عن العالم، فقط يلتقط ما يبلغه به المحامون كل عدة أسابيع.

الزبيدي يعرف بأنه ابن النكبة، ابن قيساريا، ابن شواطئها وقلاعها ومدرجاتها الأثرية وأسوارها وعمرانها المدهش، ابن رائحة البحر وسكة الحديد والميناء.

بعد أن أدى صلاة الضحى، وتناول إفطار السجون القذر والفقير جدا، بدأ كعادته يتمشى بزنزانته في سجن عزل سجن "ايالون" القريب من يافا، في تلك المساحة الضيقة، التي لا تتجاوز ثلاثة أمتار، وتضيق بحمام داخلها، كحال كافة الزنازين في معتقلات الاحتلال.

في تلك الاثناء، كان شقيقه داوود يلفظ أنفاسه الأخيرة، ليتعمق في تراب البلاد، بعد أن اختار الله له هواء حيفا "مستشفى رمبام"، ليكون آخر ما يتنفسه من هواء ورائحة فلسطين الزكية.

تصعد روح داوود إلى السماء، لترى البلاد كاملة.

عندما قرأت خبر استشهاد داوود على مواقع التواصل الاجتماعي، تبادر إلى ذهني كيف من الممكن أن يخبر شخص آخر بفقدان شقيقه؟! حتى في ظرفٍ عادي، لا يشبه ظرف زكريا، اسير معزول ينتظر محاكمته مع خمسة من رفاقه تمكنوا من انتزاع حريتهم من سجن "جلبوع"، وفقد والدته وشقيقه في اجتياح الاحتلال لمخيم جنين عام 2002.

أخذت افكر في طريقة نقل الخبر لزكريا، وللحظة تخيلت أنني تمكنت من التسلل عبر جسر هوائي إلى زنزانة زكريا. أعرف أن ذلك من المستحيل، لكن، ألم يكن مستحيلا حفر محمد العارضة ومحمود العارضة وزكريا الزبيدي ومناضل انفيعات وأيهم كممجي ويعقوب قادري، نفقا بطول 25 مترا تحت الأرض، والتسلل عبره إلى كل الأرض فجر السادس من أيلول 2021؟!.

أطلقت عنان أفكاري لدقائق، هل اربت على كتفه من الخلف ولحظة يلتفت أحتضنه وابدأ البكاء؟ وعندها سيعلم مباشرة أن مكروها حصل، أم أقف أمامه وأحدق بحزنٍ متقن في عينيه؟ أظن أن الأمر أكثر تعقيدا في الحياة.

تسعفني معرفتي بتاريخ العائلة، وأن خبرا كهذا مهما كان صاعقا، سيُفهم ويُستوعب، فالام "سميرة" شهيدة، والشقيق الأكبر "طه" شهيد، خلال اجتياح مخيم جنين في نيسان 2002، والجد مقاتل زمن الانتداب البريطاني والنكبة، ثم أسيرا، قبل أن يحرر نفسه في الهروب الكبير من سجن شطة –سنة 1958-، ثم شهيدا في بدايات السبعينيات.

الزبيدي تربى في بيت لم يبقَ منه أحد لم يدخل معتقلات الاحتلال، جبريل وعبد وداوود ويحيى، وامتداد لأقارب ذاقوا معاناة مريرة بفعل الاحتلال.

زكريا نفسه، عاش مطاردا، واصيب عدة مرات، ونجا من أربع محاولات اغتيال، وأسيرا مرتين لعدة سنوات، الأولى وهو طفل في سن 12 عاما، وهدم ونسف الاحتلال منزل عائلته ثلاث مرات، أولاها في الانتفاضة الأولى (1987-1993).

كل هذا المحيط الوطني المليء بالتضحيات، طمأنني قليلا، لكن في النهاية يبقى خبر استشهاد شقيقه داوود صادماً وقاهراً...

كما تنطلق الرصاصة، مدوية، دون موعد، ولا رجفة، فجرتها في وجهه: زكرياااااا استشهد أخوك داوود... ومثلي صرخ زكريا: دااااااااوود.

بعد قليل سيهدأ زكريا.. سيهدأ من الوجع الظاهر، ليتنقل للوجع الخفي، تنتقل الملامح الغاضبة لتصبح حسرة داخلية، وينتقل البكاء للقلب!

نعم، هي صورته التي نراها في المحاكم، شامخاً، جريئاً، متحدياً، صورته التي لم ولن يهزها شيء أو أحد، وهو أيضاً الانسان البسيط صاحب الذكريات ورفيق داوود.

سيخرج بعد قليل زكريا إلى الفورة، ساعتين في ساحة صغيرة مغطاة بالأسلاك الشائكة والجدران الاسمنتية، فقط قليل من السماء والنهار يصلها، هنا، في هذه الفوهة الوحيدة التي يطل بها زكريا على الحياة، تتجمع طيور الوطن، لتحوم فوق رأسه، تزقزق وكأنها تنشد:

اليك نجيء

بنا وجد

اذا مدته ريح هواك

فوق الأرض فوق البحر يمتد

وان متنا فلا نرتد عن عينيك

بل انا إلى عينيك نرتد

همسنا في جذور الزرع يا وطني

بأنك وحدك العهد

ونرضع حبك الأطفال 

ما ولدوا

وليس يعوقهم عن زحفهم للأرض

لا مهد ولا لحد

فتى يأتي يزنره الهوى والوجد

تلو فتىً

وتلو فتىً

فيا اعداءنا عدّوا

* اليك نجيء يا وطني كلمات مريد البرغوثي

اطبع ارسل