التاريخ : الأربعاء 14-11-2018

الحمد الله يترأس اجتماعا لقادة المؤسسة الأمنية    |     الأحمد: العدوان الإسرائيلي وحد لغة شعبنا    |     البرلمان العربي يدعو مجلس الأمن إلى توفير الحماية الدولية لشعبنا    |     الاحتفاء بيوم الكوفية الفلسطينية وافتتاح معرض "ياسر عرفات" في مخيم الفارعة    |     الحمد الله يبحث مع وفد من البنك الدولي دعم عدد من المشاريع الحيوية    |     الحمد الله يطلع وفدا من جامعة هارفارد على آخر التطورات    |     الخارجية: ادارة ترمب تفشل من جديد دور مجلس الأمن    |     "الوطني" بذكرى الاستقلال: شعبنا سينتصر على المشاريع الهادفة للمس بمشروعه الوطني    |     فلسطين تشارك بمؤتمر الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب والهلال الأحمر في الفلبين    |     عريقات يطالب التشيك بعدم تشريع الضم غير القانوني للقدس    |     الكويت تتبرع للأونروا بمساهمة إضافية بـ50 مليون دولار خلال عام 2018    |     غدا: الذكرى الـ30 عاما على إعلان الاستقلال    |     هيئة الأسرى تحذر من تفاقم الوضع الصحي للأسير المريض ربايعة    |     مجلس الأمن يفشل في الإجماع على قرار بخصوص الاوضاع في غزة    |     نقابة الصحفيين: الاحتلال ارتكب 700 جريمة بحق الصحفيين منذ مطلع العام    |     عشراوي: اجتماع للقيادة سيعقد بعد عودة الرئيس لبحث تطورات العدوان الإسرائيلي    |     فصائل المنظمة في لبنان تدين العدوان على قطاع غزة    |     أبو الغيط يدين الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة واستهداف المدنيين    |     الرئيس يدعو لاجتماع طارئ الخميس المقبل    |     حكومة الوفاق الوطني توجه التحية لأبناء شعبنا البطل في قطاع غزة    |     الحمد الله: على مدار العقود كان التعليم أهم الأدوات التي حفظت لنا هويتنا وتاريخنا وروايتنا    |     بتكليف من الرئيس: المالكي يطلب عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن    |     الأحمد يبحث مع ممثلي فرنسا والنرويج والمبعوث السويسري التصعيد الإسرائيلي على غزة    |     رام الله: مسيرة جماهيرية منددة بالعدوان الإسرائيلي على غزة
اخبار متفرقة » "أبو عمار" الإنسان...جانب آخر من حياة الرئيس الخالد
"أبو عمار" الإنسان...جانب آخر من حياة الرئيس الخالد

"أبو عمار" الإنسان...جانب آخر من حياة الرئيس الخالد

رام الله 9-11-2018 

صيف عام 1995، وبالتحديد في 24 تموز/يوليو، أبصرت زهوة ياسر عرفات النور في المستشفى الأميركي في العاصمة الفرنسية باريس. ووجد "أبو عمار" في جدول أعماله المزدحم حينها، مساحة من الوقت ليذهب إلى المستشفى ويحتضن مولوده الأول والأخير. وصل إلى الجناح التي وضعت فيه زوجته "سهى" الطفلة بعملية قيصرية، اطمئن على زوجته وهنأها بالسلامة، لتقدم له الطفلة هامسةً "ابنتك يا ياسر".

ووفقًا لمن شهد على الموقف، ارتسمت على وجه "أبو عمار" ابتسامة، وشعّ وجهه نورًا، وقال: "هذه هي زهوة، هي أمي، تبارك الله". اختار أبو عمار اسم زهوة إحياءً ووفاء لذكرى والدته "زهوة أبو السعود" المقدسية التي وافتها المنية عام 1933 وهو في ربيعه الرابع.

تروي ريموندا الطويل، جدة زهوة، عن يوم ميلاد حفيدتها: "كان المستشفى محاطًا بالحراسات الفرنسية الخاصة، وعمليات تفتيش وتحقق من هويات الزوار، وكان الجو في باريس مشحونًا بالخوف والرعب والتهديدات، بسبب الانفجارات في مترو باريس... باريس في ذلك الصيف الحار كانت تبدو وكأنها ساحة حرب، انفجارات وقعت في كل مكان".

وتضيف: "كان التكتم من رجال الأمن والسياسة على خبر مولد زهوة، ولكن بعد يوم واحد انتشر الخبر في وسائل الاعلام، فاتصل مجهول بالمستشفى يخبر عن وجود قنبلة، وقال أحذركم، إن القنبلة موجوده الآن في جناح السيدة سهى عرفات، وستنفجر بعد لحظات".

وتابعت: "تحول المستشفى إلى ثكنة عسكرية للجيش الفرنسي الخاص، ولُفت زهوة بسترة واقية ضد الرصاص ونقلت مع والدتها إلى جناح آخر على وجه السرعة، وسيطر الخوف على وجوه الأطباء والممرضين وكل من تواجد في المستشفى، وفي النهاية كان البلاغ كاذبًا".

وكان جد زهوة "داود الطويل" قد توفي في نفس المستشفى قبل شهر من ولادة حفيدته، حيث جاءت ابنته من غزة لتقف إلى جانبه في مرضه، وكانت تطلب منه أن يبقى على قيد الحياة حتى يرى حفيدته، إلا أن القدر عاجله قبل أن يراها.

انتقلت زهوة للعيش في الأراضي الفلسطينية، وكان والدها حريصًا على الاحتفال بعيد ميلاد طفلته الوحيدة، بعيدًا عن الأضواء، ووسط مشاعر من الأبوّة والحنان. ولكن الاحتلال كعادته، شتت شمل هذه العائلة، كغيرها من العائلات الفلسطينية، فاندلعت انتفاضة الأقصى أواخر عام 2000، قبل أن يفرض حصارًا على الرئيس ياسر عرفات في مقر المقاطعة برام الله عام 2002، مما دفع بالطفلة ووالدتها إلى مغادرة الأراضي الفلسطينية والتوجه إلى تونس، بناءً على الرغبة الشخصية للوالد.

تحتفظ زهوة بمشاهد طفولتها في غزة، وتستذكر المعالم الرئيسية للمدينة وحديقتها العامة حيث كانت تلهو مع أصدقائها وصديقاتها الذين تعرفت عليهم في القطاع.

وعندما وصلها نبأ استشهاد والدها في 11 تشرين الثاني 2004، سافرت من تونس إلى القاهرة لحضور مراسم التشييع الرسمية، قبل أن تنتقل إلى رام الله رفقة جثمان والدها الذي ووري الثرى في "المقاطعة" في جنازة مهيبة شارك فيها مئات الآلاف من الفلسطينيين.

وتعيش زهوة حاليًا في مالطا، حيث أنهت تعليمها الثانوي والجامعي. في حفل تخريجها، لاحظ الحضور مقعدًا فارغًا وضعت عليه كوفية والدها الشهيد، الذي تمنت أن يكون معها في هذا اليوم. وألقت زهوة كلمة الطلبة الخريجين، وأبكت الجميع، عندما تحدثت عن تاريخ والدها الحافل، والظروف الصعبة التي يعيشها شعبنا الفلسطيني، ومعاناة الأسرى في سجون الاحتلال.

حول "عرفات" الانسان، الكاتب والسياسي الراحل ممدوح نوفل في إحدى مذكراته: "قد يبدو عرفات لمن لا يعرفه عن قرب إنسانًا محيرًا ولغزًا معقدًا يصعب فهمه. لكنه في الواقع إنسان خجول يحب الحياة رغم أنه لم يستمتع بمعظم ملذاتها، ومن أجل فلسطين زاد حبه لها وتعلق بها واستمتع فيها على طريقته الخاصة... ولم يرفض أبو عمار طلب مساعدة وصل يديه، وكثيرًا ما خرقت أوامر الصرف وقرارته الادارية والمالية النظم والقوانين الرسمية".

وأضاف: "ولد ياسر عرفات في الرابع والعشرين من آب/اغسطس 1929 وظل لا يعير اهتماما يذكر للاحتفال بعيد ميلاده. ترعرع، في كنف اخواله آل أبو سعود في بيت المقدس، وعشق في طفولته القدس وشوارعها الضيقة والعتيقة وكل فلسطين. وبعد عملية السلام وتوقيع اتفاق اوسلو كثيرًا ما أكد أبو عمار أمام الزوار الأجانب وبخاصة اليهود حملة الجنسيات المختلفة ايمانه بالتعايش بين أصحاب الديانات السماوية الثلاثة. وكان يهوى الحديث بالتفصيل حول طفولته في القدس القديمة وكيف كان يلعب في حارة اليهود وظلال حائط البراق مع أبناء جيله من أطفال يهود فلسطين".

وتابع: "بدأ عرفات حياته متفانيًا وعاش فقيرًا متقشفًا وتألم لمصائب شعبه وحمل هموم أهله، وثار في شبابه ضد ظلمهم وقهرهم، وتأبط البندقية دفاعًا عن الكرامة الفلسطينية والعربية. درس في الجامعات المصرية وتخرج فيها مهندسًا مدنيًا. وفي العام 1954 ساهم مع أبو اياد صلاح خلف وبشير البرغوثي وابراهيم غوشة وآخرين في تأسيس اتحاد طلاب فلسطين في القاهرة وترأسه عرفات. ومنذ ذلك الحين برز دور الطالب ياسر عرفات كناشط من أجل القضية. وفي ساعات الاسترخاء، في ليالي الثورة في الأردن ولبنان وتونس، كثيرًا ما روى أبو اياد كيف كان عرفات يتصرف كرئيس اتحاد الطلاب، وكان يشبه سلوك عرفات بسلوك الوزراء والرؤساء". بعد تخرج عرفات من الجامعة تحسنت اوضاعه المادية، خاصة بعد انتقاله أواسط خمسينات القرن الماضي للكويت حيث عمل مهندسًا مدنيًا وأسس مكتبًا خاصًا للمقاولات الهندسية ولم يتراجع حماسه للقضية. ولم يلحظ رفاقه وأقرب الناس اليه اهتمامه في الكويت أو زمن الثورة والدولة بالأمور الشخصية. ورغم نجاحه في دفع قوى الثورة ومنظمة التحرير الى إعلان الدولة في العام 1988، وانتخابه رئيسا لدولة فلسطين في العام 1989 لم يغير عرفات موقفه بشأن عيد الميلاد والأمور الشخصية الأخرى، وحافظ على ذات السلوك الزاهد بعد قيام السلطة الوطنية وبعد عودته للوطن عام 1994".

وبحسب نوفل، ظل أبو عمار أعزبًا قرابة ستين عامًا وكان يفاخر بزواجه من القضية ومعها بندقية، وظل يستمتع بإزعاج إخوانه المتزوجين باستدعائهم في أوقات متأخرة من الليل. وفي إحدى السهرات بعد انتخابه رئيسا لدولة فلسطين في تونس مطلع آذار/مارس1989، سأل ابو عمار؛ تخيل أننا نجحنا وطردنا الاحتلال بعد سنة او سنتين من فلسطين وأقمنا الدولة المستقلة فهل ستتزوج وتنهي غيرتك من المتزوجين وتتركنا ننام دون استدعاءاتك المعهودة بعد منتصف الليل؟ رد بسرعة وقال مازحًا: "لن أترككم تنعمون بما لا أنعم به".

وأضاف بجدية: "زواج ما رح أتزوج…انا راجل كبرت وصرت شبه عجوز ولن أجد من تقبل بي. ثم كيف أتزوج وهناك في العروبة والاسلام من يتآمر على القضية الفلسطينية. الزواج قد يلهيني بعض الوقت عنهم وهذا تقصير اعتبره خطير جدًا ولن أتحمل مسؤوليته أمام الله والتاريخ".. وعندما قرر الزواج من سهى الطويل رفض إقامة الأفراح، ولم يحيي الليالي الملاح، وعقد قرانه وأكمل اجراءات الزواج بهدوء ودون ضجيج.

"إنسانية الختيار" تلمّسها أيضًا كل من عمل إلى جانبه، يقول الكاتب مازن صافي: "حدثني رجل ثقة ممن كانوا يعملون بالقرب من الشهيد القائد الإنسان الرئيس ياسر عرفات، أنه وزملائه كانوا في ليالي الشتاء يتجمعون بالقرب من بيت الرئيس، ويوقدون النار ويشربون الشاي ويأكلون الخبز ويتسامرون وكثيرًا ما كان يفاجئهم زعيم الثورة الفلسطينية، بتواضعه وإنسانيته، فيصافحهم ويسلم عليهم بلا استثناء، ويجلس معهم ويسألهم عن أسرهم وأطفالهم وما يحتاجون، ويضيف أنهم كانوا أحيانًا يتعمدون أن يتجمعوا لكي يطل عليهم الأب الحنون ياسر عرفات ويفرحون بمجالسته لهم".

ويضيف: "إنه ياسر عرفات، الأخ ياسر عرفات كما كان يحب أن يناديه الكبير قبل الصغير، عاش حياته بسيطًا ومناضلا، يتنقل بين غارات الموت لتستمر الثورة بالمواجهة، فليس سهلاً أن يكون الإنسان قائدًا للشعب الفلسطيني، هذا الشعب الذي ظلم ولا زال يعاني من التشريد والحصار والتدمير والقتل وكل أنواع الإرهاب المنظم وغير المنظم".

ويتابع: "تميّز الشهيد أبو عمار بحسه المرهف، وقدرته على الاستماع لأدق التفاصيل ويحاور ويناقش بهدوء ويشارك الجميع الأفراح والأتراح ليكون عنوانًا في التضحية والفداء، ولم يكن السهر يرهقه ولا ساعات العمل الطويلة، بل كان حزنه على أبناء شعبه وهو يعلم أن كل مراحل الوصول للحرية والتحرر تمر بمنعطفات خطرة وقاسية جدًا، ولهذا كان دائم الحضور في الميدان، لا ينتظر التقارير ولا الاتصالات، بل كان جنديًا خلف الدبابة وخلف الرصاصة وخلف المدفع لأنه آمن منذ البداية أن الثورة يجب ان تنتصر، وكان عميق التفكير والوعي والإدراك للمتغيرات الدولية والعربية، ولم تكن كلماته مجرد كلمات بل كانت بوصلة التقدم نحو الوطن والقدس والأمل الذي يتسلح به المكافحين من الشعب والمناضلين في كل مواقع الصمود والتحدي، لم يكن قائدا لحركة فقط، بل كان ثوريا ورئيسا للشعب الفلسطيني، يؤمن بوحدة الشعب وقدسية الأرض والهوية، لذا ففي كل المجالات له بصمته وحضوره، وأحبه الجميع، الأطفال والنساء والشيوخ والشباب والمقاتلين والمدنيين وحتى الأعداء أيقنوا أن أبو عمار هو الرقم الصعب الذي لا يمكن أن ينحني او يستسلم".

"أبو عمار"، الذي حاول الاحتلال اغتياله، مرارًا وتكرارًا، قبل أن ينجح، معتقدًا أن غيابه الجسدي سيطفئ الحلم الفلسطيني وإرادة أبناء شعبنا، سيبقى خالدًا في روح كل طفل فلسطيني يولد، وسيرته تدّرس جيلًا بعد جيل، وما زال أخوته في قيادتنا الفلسطينية برئاسة "أبو مازن" يواصلون دربه في طريق الحرية والخلاص من الاحتلال.

2018-11-09
اطبع ارسل